محمد طاهر الكردي

200

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

سلف ، شاهد على ذلك ، حتى من انتمى إلى البيت النبوي من الأشراف والسادة القاطنين بمكة أو المدينة ، فإن أصولهم قد هاجروا إلى الآفاق وبقوا هنالك القرون ، ثم قدم من ذريتهم ، من قدم رغبة في الجوار أو لغاية أخرى ، ولا شبهة في علو أقدارهم ، وارتفاع مراتبهم عمن سواهم ، ومن سوى الأشراف والسادة لم يبق لهم مجد ولا فخر من حيث النسب ، لكن بقدم المحتد فمن تولد بمكة يفتخر على المجاور ، ومن له أبوان يفتخر على من له أب وهكذا ، والقدماء منهم يسمون من سواهم آفاقيا ، وهي كلمة كادت أن تكون سبة ، وأعظم منها في هذا المعنى ، قولهم : أتوي ، بفتح الهمزة والتاء ، ولعل أصله أتاوي ، قال الكسائي : الأتاوي ، بالفتح ، الرجل الغريب الذي ليس في وطنه . انتهى من الغازي . نقول : إن الشيخ عبد اللّه الغازي المتوفى سنة ( 1365 ) ألف وثلاثمائة وخمس وستين هجرية ، يقول : إن الأجانب قد زاحموا أهل البلاد في جميع الوظائف وغيرها ، فكيف لو رأى ، رحمه اللّه تعالى ، مزاحمة الأجانب لأهل البلاد في وقتنا الحاضر في الوظائف الحكومية والأهلية وفي جميع مرافق الحياة . فالأمر للّه من قبل ومن بعد ، ورحم اللّه تعالى أحد شعراء مكة المشرّفة ، الذي كان في أوائل القرن الثاني عشر للهجرة ، فإنه لما رأى بعض الولاة بمكة يساعد بعض الأغراب ، ومن لا قيمة لهم على أهل مكة ، ويسند إليهم بعض الوظائف والأعمال ، قال ما يأتي : وظائف الناس قد صارت مفرقة * ما بين عبد ومعتوق وآفاقي وأهل مكة قد غارت نجومهم * فما ترى كوكبا يبدو بآفاق الحكمة في جعل سكان مكة خليطا من جميع الأجناس لقد كان سكان مكة ، في زمن الجاهلية ، وفي صدر الإسلام ، من العرب الخلّص ، وفي مقدمتهم قبيلة قريش ، فلما انتشر الإسلام ، في جميع أقطار الأرض وجهاتها ، كثر الوافدون إلى بيت اللّه الحرام ، من كل فج عميق ، لأداء فريضة الحج ، الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام ، ولزيارة مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ثم السلام على رسوله أفضل الصلاة والسلام عليه . ولما كانت مكة بلد اللّه الأمين وبلد رسوله النبي المكين ، ومن دخل حرمها كان آمنا ، فقد أحب أكثر الناس ، من أجناس المسلمين الوصول إليها ، والإقامة بها ، ورغبوا في ذلك رغبة أكيدة ، حتى أن بعضهم يأتي إليها وحده ، تاركا أهله وأولاده في وطنه يلحقون